محمد فاروق النبهان
87
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
مغايرة لما أجمع عليه المسلمون ، فلا يمكن الاطمئنان إلى سلامة ترجمته للقرآن ، لاحتمال أن يترجم القرآن بما يخالف معناه المأثور عن الصحابة والتابعين ، وهذا الشرط ذكره العلماء في مجال شروط المفسر ، والمترجم ليس هو المفسر ، فالمترجم تحكمه ضوابط ومقاييس في الترجمة من حيث دقة اختياره للمفردات ، وليس الأمر كذلك بالنسبة للمفسر الذي يملك حرية التفسير بما يحتمله اللفظ من معان ودلالات ، ومن اليسير اكتشاف الخطأ في عمل المترجم ، أو عدم الدقة في اختيار المفردات المعبرة عن معنى الأصل . فقد يملك صاحب بدعة من أدوات الترجمة ما لا يملكه صاحب استقامة من حيث إلمامه بمعاني المفردات في كل من اللغتين ، والمترجم منها والمترجم إليها ، وما لم يقم دليل على قصد لتزوير المعاني القرآنية ، وتحويرها عن معانيها ، وإهمال في اختيار المفردات الدقيقة أو جهل باللغة العربية ، فإن الترجمة تخضع لمقاييس موضوعية ، ومن اليسير ضبط تلك المقاييس ، وتتبع احترامها والالتزام بها ، والحكم على الترجمة حكما موضوعيا ، من حيث الدقة والالتزام ، فقد تقبل الترجمة في لفظة أو آية ، وترفض في لفظة أو آية أخرى ، ويحكم على الترجمة بحسب دقتها ، فإن كثرت أخطأ المترجم ، وتجاوزاته حكم عليه بالجهل وردّت ترجمته ، ووجب تنبيه الناس إلى تلك التجاوزات وبخاصة إذا كانت فاحشة فاسدة المعنى . ولسنا بحاجة إلى اشتراط إتقان المترجم لكل من اللغتين المترجم منها والمترجم إليها ، فهذا شرط بدهي لا تتصور الترجمة بدونه ، إذ كيف يمكن لجاهل بالعربية أن يفهم معاني القرآن ، وإذا عجز عن الفهم عجز عن الإتيان باللفظة المعبرة عن المعنى باللغة الأخرى ، وإذا أتقن العربية ، فلا يمكنه أن يترجم إلى لغة أخرى ، إلا أن يكون متقنا لتلك اللغة ، ممسكا بزمام مفرداتها مالكا ناصية أمرها ، والإتقان المطلوب لكل من اللغتين ، ليس هو إتقان حفظ ومعرفة بالمفردات ، وإنما هو إتقان فهم للدلالات اللغوية وإتقان أسلوب تتميز به كل لغة عن اللغة الأخرى ، وفضلا عن ذلك فالترجمة تحتاج إلى موهبة خلاقة